المقريزي

988

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

ثم قدّم تاوداسيوس ملك الرّوم ، في الثامنة من ملكه ، ديسقورس بطركا بالإسكندرية ، فظهر في أيّامه مذهب أوطاخي ، أحد القسوس « a » بالقسطنطينيّة ، وزعم أنّ جسد المسيح لطيف غير مساو لأجسادنا ، وأنّ الابن لم يأخذ من مريم شيئا . فاجتمع عليه مائة وثلاثون أسقفا ، وحرموه « 1 » . واجتمع بالإسكندرية كثير من اليهود في يوم الفسح ، وصلبوا صنما على مثال المسيح وعبثوا به ، فثار بينهم وبين النصارى شرّ قتل فيه بين الفريقين خلق كثير ، فبعث إليهم ملك الرّوم جيشا قتل أكثر يهود الإسكندرية . وكان « المجمع الرّابع من مجامع النصارى بمدينة خلقدونية » . وسببه أن ديسقورس ، بطرك الإسكندرية ، قال : إنّ المسيح جوهر من جوهرين ، وقنوم من قنومين « b » ، وطبيعة من طبيعتين ، ومشيئة من مشيئتين . وكان رأي مرقيانوس ملك الرّوم أنّه جسد ، وأهل مملكته أنّه جوهران وطبيعتان ومشيئتان وقنوم واحد . فلمّا رأى الأساقفة أنّ هذا رأي الملك خافوه ، فوافقوه على رأيه ، ما خلا ديسقورس وستة أساقفة ، فإنّهم لم يوافقوا الملك ، وكتب من عداهم من الأساقفة خطوطهم بما اتّفقوا عليه . فبعث ديسقورس يطلب منهم الكتاب ليكتب فيه . فلمّا وصل إليه كتابهم ، كتب فيه أمانته هو ، وحرمهم وكلّ من يخرج عنها . فغضب الملك مرقيانوس ، وهمّ بقتله ، فأشير عليه بإحضاره ومناظرته ، فأمر به فحضر ، وحضر ستّ مائة وأربعة وثلاثون أسقفا . فأشار الأساقفة والبطاركة على ديسقورس بموافقة رأي الملك ، واستمراره على رياسته . فدعا للملك وقال لهم : الملك لا يلزمه البحث في هذه الأمور الدّقيقة ، بل ينبغي له أن يشتغل بأمور مملكته وتدبيرها ، ويدع الكهنة يبحثون عن الأمانة المستقيمة فإنّهم يعرفون الكتب ، ولا يكون له هوى مع أحد ويتّبع الحقّ . فقالت بلخارية زوجة الملك مرقيانوس ، وكانت جالسة / بإزائه : يا ديسقورس قد كان في زمان أمّي إنسان قوي الرّأس مثلك ، وحرموه ونفوه عن كرسيه ، تعني يوحنّا فم الذّهب بطرك قسطنطينيّة . فقال لها : قد علمت ما جرى لأمّك ، وكيف ابتليت بالمرض الذي تعرفيه ، إلى أن

--> ( a ) بولاق : الثانية . ( b ) بولاق : القنوميين . ( 1 ) ابن البطريق : التاريخ المجموع 1 : 179 - 180 ؛ ساويرس بن المقفع : كتاب المجامع 166 - 168 .